النويري
204
نهاية الأرب في فنون الأدب
الكاهن ولا سجعه ، قالوا : فنقول مجنون ، قال : ما « 1 » هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته ؛ قالوا : فنقول شاعر ؛ قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كلَّه رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر ؛ قالوا : فنقول : ساحر ، قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السّحار وسحرهم ، فما هو بنفثه ولا عقده « 2 » ؛ قالوا : فما تقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : واللَّه إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعدق « 3 » ، وإن فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا : ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرّق بين « 4 » المرء وأبيه ، وبين المرء [ وأخيه ، وبين المرء « 5 » ] وزوجه ، وبين المرء وعشيرته . فتفرّقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبيل الناس حين قدموا الموسم ، لا يمرّبهم أحد إلا حدّروه إياه وذكروا له أمره ، فأنزل اللَّه تعالى في الوليد ابن المغيرة : * ( ( ذَرْنِي ومَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وجَعَلْتُ لَه مالًا مَمْدُوداً وبَنِينَ شُهُوداً ومَهَّدْتُ لَه تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّه كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ) ) * أي خصيما مخالفا * ( ( سَأُرْهِقُه صَعُوداً إِنَّه فَكَّرَ وقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ ) ) * . قال ابن هشام : بسر « 6 » أي كرّه وجهه ، * ( ( ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) ) * .
--> « 1 » في عيون الأثر : « واللَّه ما هو » . « 2 » في سيرة ابن هشام 1 : 289 : « بنفثهم ، ولا عقدهم » . « 3 » يروى أيضا : « لغدق » بغين معجمة ، وكسر الدال ، وفى الأصل : « لغدقه » ، وانظر شرح المواهب 1 : 251 ، وعيون الأثر 1 : 101 . « 4 » في عيون الأثر 1 : 101 : « يفرق به بين » . « 5 » عن سيرة ابن هشام 1 : 289 ، وعيون الأثر 1 : 101 . « 6 » في السيرة 1 : 289 .